الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

167

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ووجه هذا الانحصار أن هذا الاصطفاء وإيراث الكتاب جمع فضيلة الدنيا وفضل الآخرة قال تعالى : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ النحل : 97 ] ، وقال : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [ النور : 55 ] . [ 33 ] [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 33 ] جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ( 33 ) الأظهر أنه بدل اشتمال من قوله : ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [ فاطر : 32 ] فإن مما يشتمل عليه الفضل دخولهم الجنة كما علمت وتخصيص هذا الفضل من بين أصنافه لأنه أعظم الفضل لأنه أمارة على رضوان اللّه عنهم حين إدخالهم الجنة ، وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [ التوبة : 72 ] . ويجوز أن يكون استئنافا بيانيا لبيان الفضل الكبير وقد بيّن بأعظم أصنافه . والمعنى واحد . وضمير الجماعة في يَدْخُلُونَها راجع إلى الَّذِينَ اصْطَفَيْنا [ فاطر : 32 ] المقسم إلى ثلاثة أقسام : ظالم ، ومقتصد ، وسابق ، أي هؤلاء كلهم يدخلون الجنة لأن المؤمنين كلهم مآلهم الجنة كما دلت عليه الأخبار التي تكاثرت . وقد روى الترمذي بسند فيه مجهولان عن أبي سعيد الخدري « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال في هذه الآية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [ فاطر : 32 ] قال : « هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة وكلهم في الجنة » . قال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلّا من هذا الوجه . قال أبو بكر بن العربي في « العارضة » : من الناس من قال : إن هذه الأصناف الثلاثة هم الذين في سورة الواقعة [ 8 - 10 ] : أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ - و أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ - و السَّابِقُونَ . وهذا فاسد لأن أصحاب المشأمة في النار الحامية ، وأصحاب سورة فاطر في جنة عالية لأن اللّه ذكرهم بين فاتحة وخاتمة فأما الفاتحة فهي قوله : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [ فاطر : 32 ] فجعلهم مصطفين . ثم قال في آخرهم جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها [ فاطر : 33 ] ولا يصطفى إلّا من يدخل الجنة ، ولكن أهل الجنة ظالم لنفسه فقال : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ [ فاطر : 32 ] وهو العاصي والظالم المطلق